مركز الثقافة والمعارف القرآنية
105
علوم القرآن عند المفسرين
وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني . فإن ادعى مدّع أنه يعلم وضعا يتقدم ذلك فهو مبطل ، فإن هذا لم ينقله أحد من الناس . ولا يقال : نحن نعلم ذلك بالدليل ، فإنه - إن لم يكن اصطلاح متقدم - لم يمكن الاستعمال . قيل : ليس الأمر كذلك ، بل نحن نجد أن اللّه يلهم الحيوان من الأصوات ما به يعرف بعضها مراد بعض ، وقد سمى ذلك منطقا وقولا ، في قول سليمان : عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ « 1 » ، وفي قوله : قالَتْ نَمْلَةٌ : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ « 2 » ، وفي قوله : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ « 3 » وكذلك الآدميون ، فالمولود إذا ظهر منه التمييز سمع أبويه ، أو من يربيه ، ينطق باللفظ ، ويشير إلى المعنى ، فصار يفهم أن ذلك اللفظ يستعمل في ذلك المعنى - أي أراد المتكلم به ذلك المعنى - ثم هذا يسمع لفظا بعد لفظ حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم ، من غير أن يكونوا قد اصطلحوا معه على وضع متقدم . بل ولا فقهوه على معاني الأسماء . وإن كان أحيانا قد يسأل عن مسمى بعض الأشياء فيوقف عليها . كما تترجم للرجل اللغة التي لا يعرفها فيوقف على معاني ألفاظها ، وإن باشر أهلها مدة ، علم ذلك بلا توقيف من أحد ، نعم قد يضع الناس الاسم لما يحدث ، مما لم يكن من قبلهم يعرفه فيسميه ، كما يولد لأحدهم فيسميه اسما إما منقولا أو مرتجلا . وقد يكون المسمى واحدا لم يصطلح مع غيره . وقد يستوون فيما يسمونه ، وكذلك قد يحدث الرجل آلة من صناعة ، أو يصنّف كتابا ، أو يبني مدينة . ونحو ذلك فيسميه باسم ، لأنه ليس من الأجناس المعروفة حتى يكون له اسم في اللغة العامة . وقد قال تعالى : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ « 4 » ، قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ « 5 » ، وقال الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى « 6 » وهو سبحانه يلهم الإنسان المنطق كما يلهم غيره . وهو سبحانه ، إذا كان قد علّم الأسماء كلها ، وعرض المسميات على الملائكة - كما أخبر بذلك في كتابه - فنحن نعلم أنه لم يعلم آدم جميع اللغات التي يتكلم بها جميع الناس إلى يوم القيامة ، وأن
--> ( 1 ) سورة النمل : الآية 16 . ( 2 ) سورة النمل : الآية 18 . ( 3 ) سورة سبأ : الآية 10 . ( 4 ) سورة الرحمن : الآية 1 - 4 . ( 5 ) سورة فصلت : الآية 21 . ( 6 ) سورة الاعلى : الآية 2 و 3 .